ابن كثير

183

البداية والنهاية

وكان مولده سنة خمسين ، وكان أبواه يترفانه ، فشب بلا أدب ، وكان لا يحسن العربية ، وكان طويلا أسمر به أثر جدري خفي ، أفطس الانف سائله ، وكان إذا مشى يتوكف في المشية - أي يتبختر - وكان جميلا وقيل دميما ، قد شاب في مقدم لحيته ، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك لما قدم عليه سأله ما سمع في أشراط الساعة ، كما تقدم في ترجمة أنس ، وسمع سعيد بن المسيب وحكى عن الزهري وغيره . وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية فجمع الوليد جماعة من أهل النحو عنده فأقاموا سنة ، وقيل ستة أشهر ، فخرج يوم خرج أجهل مما كان ، فقال عبد الملك : قد أجهد وأعذر ، وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له : لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك ، وتحن حنين الأمة ، ولكن شمر واتزر ، ودلني في حفرتي ، وخلني وشأني ، وادع الناس إلى البيعة ، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا . وقال الليث : وفي سنة ثمان وتسعين ( 2 ) غزا الوليد بلاد الروم ، وفيها حج بالناس أيضا . وقال غيره : غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها ، وكان نقش خاتمه أو من بالله مخلصا . وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت ، ويقال إن آخر ما تكلم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، وقال إبراهيم بن أبي عبلة قال لي الوليد بن عبد الملك يوما : في كم تختم القرآن ؟ قلت في كذا وكذا ، فقال : أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث ، وقيل في كل سبع ، قال : وكان يقرأ في شهر رمضان سبع عشرة ختمة . قال إبراهيم رحمه الله : الوليد وأين مثله ؟ بنى مسجد دمشق ، وكان ويعطيني قطع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس . وروى ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبيه قال : خرج الوليد يوما من الباب الأصغر فرأى رجلا عند المئذنة الشرقية يأكل شيئا ، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزا وترابا ، فقال له : ما حملك على هذا ؟ قال : القنوع يا أمير المؤمنين ، فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال : إن لك لشأنا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين كنت رجلا حمالا ، فبينما أنا أسير من مرج الصفر قاصدا إلى الكسوة ، إذ زرمني البول فعدلت إلى خربة لأبول ، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب ، فملأت منه غرائري ، ثم انطلقت أقود برواحلي وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها ، وقلت : إني سآتي الكسوة ، ورجعت إلى الخربة لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب ، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام ، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزا وترابا . قال : فهل لك عيال ؟ قال نعم ، ففرض له في بيت المال .

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 6 / 254 : أبيض . ( 2 ) كذا بالأصول ، وهو تحريف ، والمشهور أن الوليد قد مات سنة 96 ه‍ .